فى تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وتعميمه بعموم لطائف التكريم
فى حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة الكبرى
اعلم أن قصة الإسراء والمعراج من أشهر المعجزات وأظهر البراهين البينات وأقوى الحجج المحكمات وأصدق الأنباء وأعظم الآيات .
والحق أنه إسراء واحد بروحه وجسده يقظه فى القصة كلها وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغى العدول عنه والإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم يكن لأحد سواه من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام. والمعاريج ليلة الإسراء عشرة سبعة إلى السموات والثامن إلى سدرة المنتهى والتاسع إلى المستوى الذى سمع فيه صلى الله عليه وسلم صريف الأقلام فى تصاريف الأقدار والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسماع الخطاب بالمكافحة والكشف الحقيقى. وقد ورد حديث الإسراء عن كثير من الصحابة عد منهم فى الأصل ستة وعشرين ثم قال وبالجملة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة الملحدون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون .
وقد روى البخارى عن قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة أن نبى الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به فقال بينما أنا نائم فى الحطيم وربما قال فى الحجر مضطجعا إذ أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه أى من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبى ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل ثم حشى ثم أعيد وفى رواية له ففرج صدرى ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه فى صدرى ثم أطبقه ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض قال أنس هو البراق يضع خطوة عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا وساق البخارى الحديث بطوله وسيأتى سرده بعد ذكر صلاة النبى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء فى بيت المقدس ووصف المعراج الذى أتى به إليه صلى الله عليه وسلم فصعد منه إلى السماء. وأخرج الترمذى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسرى به مسرجا ملجما فاستصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام ما حملك على هذا وفى رواية أما تستحى ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه فارفض عرقا .
وفى حديث ابن مسعود إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه وفى رواية لأبن سعد له جناحان وعن ابن عباس فى صفته له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر وكان صدره ياقوته حمراء، وكان الذى أمسك بركابه صلى الله عليه وسلم جبريل وبزمامه ميكائيل رواه ابن سعد .
وقد روى البيهقى وغيره عن شداد بن أوس أنه أول ما أسرى به صلى الله عليه وسلم مر بأرض ذات نخل فقال له جبريل انزل فصل فصلى فقال صليت بيثرب ثم مر بأرض بيضاء فقال انزل فصل فصلى فقال صليت بمدين ثم مر ببيت لحم فقال انزل فصل فنزل فصلى فقال صليت حيث ولد عيسى. وروى البيهقى عن أنس لما جاء جبريل عليه السلام بالبراق إليه صلى الله عليه وسلم فكأنما أصرت أذنيها فقال لها جبريل مه يا براق فوالله ما ركبك مثله فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جنب الطريق فقال ما هذا يا جبريل قال سر يا محمج فسار ما شاء الله أن يسير فإذا هو بشيخ يدعوه متنحيا عن عليك يا أول السلام عليك يا آخر السلام عليك يا حاشر فقال له جبريل اردد عليهم السلام فرد، ثم قال له جبريل أما العجوز التى رأيت جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا ما بقى من عمر تلك العجوز والذى دعاك إبليس والعجوز الدنيا أما لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام .
وفى رواية أنه مر بموسى عليه الصلاة والسلام وهو يصلى فى قبره فقال أشهد أنك رسول الله ولا مانع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصلون فى قبورهم لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون . وفى حديث أبى هريرة عند الطبرانى والبزار أنه عليه الصلاة والسلام مر على قوم يزرعون ويحصدون فى يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام ما هذا قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائه ضعف وما أنفقوا من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولايفتر عنهم من ذلك شئ فقال ما هذا يا جبريل قال هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة .
ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الصريع والزقوم ورضف جهنم فقال ما هؤلاء قال هؤلاء الذين لايؤدون زكاة أموالهم وما ظلمهم الله وما ربك بظلام للعبيد . ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج فى قدر ولحم نئ فى قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النئ الخبيث ويدعون النضيج فقال ما هؤلاء يا جبريل قال جبريل هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتى امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتى رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح .
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس لايقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لايفتر عنهم من ذلك شئ قال ما هذا يا جبريل قال هؤلاء خطباء القتنة . قال ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها .
ثم أتى على واد فوجد فيه ريحا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا فقال ما هذا يا جبريل قال هذا صوت الجنة تقول رب آتنى بما وعدتنى فقد كثرت غرفى واستبرقى وحريرى وسندسى وعبقريى ولؤلؤى ومرجانى وفضتى وذهبى وأكوابى وصحافى وأباريقى ومراكبى وعسلى ومائى ولبنى وخمرى فآتنى بما وعدتنى قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بى وبرسلى وعمل صالحا ولم يشرك بى شيئا ولم يتخذ من دونى أندادا ومن خشينى فهو آمن ومن سألنى فقد أعطيته ومن أقرضنى جازيته ومن توكل على كفيته إننى أنا اله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخارقين قالت قد رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنة فقال ما هذا يا جبريل قال هذا صوت جهنم تقول رب آتنى بما وعدتنى فقد كثرت سلاسلى وأغلالى وسعيرى وحميمى وضريعى وغساقى وعذابى وقد بعد قعرى واشتد حرى فآتنى بما وعدتنى قال لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لايؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت فسار حتى أتى بيت المقدس .
وفى رواية أبى سعيد عند البيهقى دعانى داع عن يمينى انظرنى أسالك فلم أجبه ثم دعانى آخر عن يسارى كذلك فلم أجبه وفيه إذا امرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى فقالت يا محمد انظرنى أسألك فلم ألتفت إليها وفيه أن جبريل قال له أما الداعى الأول فهو داعى اليهود ولو أجبته لتهودت أمتك وأما الثانى فداعى النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك وأما المرأة فالدنيا .
وفى حديث أبى سعيد أنه رأى أخوبه عليها لحم طيب ليس عليها أحد وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون قال جبريل هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام وفيه أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر وأن جبريل قال له هم أكله الربا وأنه من بقوم مشافرهم كالإبل يلتقمون جمرا فيخرج من أسافلهم وأن جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وأنه مر بنساء تعلقن بثديهن وأنهن الزوانى وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون اللمازون وفيه حتى اتيت بيت المقدس وأوثقت دابتى بالحلقة التى كانت الأنبياء تربطها فيها فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين .
وفى رواية أنس عند مسلم ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءنى جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة أى اخترت اللبن الذى عليه بنيت الخلقة وقال النووى المراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة .
وفى رواية ابن مسعود نحوه وزاد ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد ثم إذن مؤذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفا فانتظر من يومنا فأخذ بيدى جبريل فقدمنى فصليت بهم . وفى رواية بهم . وفى رواية أبى أمامة عند الطبرانى ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدا صلى الله عليه وسلم .
وعن أبى سعيد ثم أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة ثم دخل فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من هذا معك قال هذا محمد رسول الله خاتم النبيين قالوا وقد أرسل إليه قال نعم قالوا حياه الله من أخ وخليفه فنعم الأخ ونعم الخليفة ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذى اتخذنى خليلا وأعطانى ملكا عظيما وجعلنى أمة قانتا يؤتم بى وأنقذنى من النار وج















